الأخبار العاجلة

حزب ميركل يتحالف مع (البديل) المتطرف أوقع زلزال سياسي في ألمانيا

المستشارة غاضبة وترفض الخطوة… ورئيس الوزراء المنتخب في الحكومة المحلية يستقيل

الغربية – معاذ الراوي – 7 – شباط – 2020

زلزال سياسي هز ألمانيا، كان مركزه ولاية تورينغن الصغيرة، ولكن ارتداداته وصلت إلى العاصمة برلين وأبعد، إلى أفريقيا؛ حيث كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تقوم بزيارة رسمية لبريتوريا. فخلال وجودها هناك، استغل حزبها في ولاية تورينغن غيابها ليخرق «الحظر» بالتحالف مع حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف. فصوت نواب حزب ميركل المحليين مع نواب اليمين المتطرف وحزب الليبراليين الأحرار، ككتلة واحدة لانتخاب رئيس حكومة الولاية. واختارت الأحزاب الثلاثة هذه توماس كيريش من الليبراليين، ليتفوق بصوت واحد على رئيس وزراء الولاية السابق من حزب «دي لينكا» بودو راميلو، الذي حصل على أصوات حزبه والحزب الاشتراكي.

ولكن فيما كانت الطبقة السياسية في ألمانيا تعيش الهزات الارتدادية لما وُصِف بأنه «يوم أسود» في تاريخ ألمانيا، تحولت القصة إلى أولوية لميركل في رحلتها الأفريقية. فاستهلّت مؤتمرها الصحافي مع الرئيس أفريقي بالاعتذار لقراءة بيان حول «أمر داخلي». ووصفت ميركل تصويت حزبها مع حزب البديل لألمانيا بأنه «عمل لا يمكن التسامح معه، ويجب التراجع عنه»، وأضافت تقول إن أعضاء الحزب في تورينغن «ممنوع عليهم المشاركة في الحكومة» تلك. وتابعت المستشارة الألمانية تصف ما حدث بأنه كان «يوماً سيئاً للديمقراطية». وشددت على أن ما حصل كان «حادثاً فريداً يعكس التقليد السياسي بأننا لا نقبل بأكثريات تصل بدعم حزب (البديل لألمانيا)»، مضيفة أن ما حصل في تورنغن «لا يعكس حزبنا، ولا ما نفكر به». وكشفت عن اجتماع سيُعقد بعد عودتها، السبت، مع الاشتراكيين لمناقشة تبعات ذلك على تحالفهما.

ولم يمضِ وقت طويل على كلام ميركل حتى أعلن رئيس الحكومة المنتخب في ولاية تورنغن استقالته، بعد يوم واحد على انتخابه. وجاءت استقالته بعد زيارة لزعيم حزب «الليبراليين الأحرار»، كريستان ليندر، الذي توجه للولاية المشاغبة وطلب من كيرش الاستقالة.

وكان شكل انتخاب كيريش صدمة لدى الأحزاب اليسارية في تورنغن: «دي لينكا» والاشتراكيين والخضر، الذين حضروا للتصويت على ما ظنّوا أنه سيكون لاختيار رئيس حكومة منهم، بعد أن نجحوا بالاتفاق على تشكيل حكومة أقلية استغرقت المشاورات لها أكثر من 3 أشهر. وفي الدورتين الأولى والثانية لم يحصل مرشحهم، زعيم كتلة «دي لينكا» راميلو على أصوات كافية. وفي الجولة الثالثة التي كانت من المفترض أن تقوده لرئاسة الحكومة، جاءت المفاجأة بحصول زعيم كتلة الليبراليين على صوت واحد أكثر منه، ما يعني أن الأخير حصل على أصوات حزبه وحزب «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» و«البديل لألمانيا» الذي اختار عدم التصويت لمرشحه في الجولة الثالثة، وعوضاً عن ذلك دعم كيريش.

وما زاد من الصدمة أن رئيس الحكومة المحلية المنتخب ينتمي لحزب لا يتمتع بأكثر من 5 في المائة من مقاعد البرلمان المحلي، فيما حزب «دي لينكا» اليساري حل في الطليعة في الانتخابات التي جرت، الخريف الماضي، وجاء حزب «البديل لألمانيا» في المرتبة الثانية. بهذا تحول «البديل لألمانيا» لـ«صانع الملك»، ولكنه لم يكن باستطاعته ذلك لو لم يحصل على مساعدة حزب ميركل.

ومنذ صعود حزب «البديل لألمانيا» الذي يعتمد خطاباً شعبوياً مجيّشاً ضد اللاجئين والمسلمين، تعتمد الأحزاب السياسية جميعها مبدأ عدم التحالف معه، لا على الصعيد الفيدرالي ولا المحلي.

وحتى الآن، لم يتمكن هذا الحزب المتطرف من تشكيل أي حكومة محلية، بسبب رفض الأحزاب الأخرى التعامل معه، رغم تقدمه في معظم الولايات الألمانية الشرقية.

وفي تورينغن، وهي ولاية شرقية، يصف كثيرون زعيم «البديل لألمانيا» يورغ هوكي بأنه نازي، ومن المتحسرين على إرث هتلر. ووصف هوكي مرة مجسم «الهولوكست» في برلين بأنه «مجسم العار» ملمحاً إلى الحاجة لإزالته. وهدد قبل بضعة أشهر صحافياً ألمانيّاً قائلاً له إن «شيئاً ما سيصيبه»، بعد أن قطع مقابلة وغادرها بسبب أسئلة الصحافي التي لم تعجبه، حول تصريحاته الشبيهة بتصريحات هتلر. وقبل بضعة أيام حكمت محكمة بأنه يمكن وصف هوكي بأنه «فاشي» استناداً إلى تصريحات سابقة له.

والمثير في التصويت الذي حصل في تورينغن، والذي يؤكد أن رئيس الحكومة المنتخب هو خيار هوكي، أن مرشح حزب «البديل لألمانيا» لمنصب رئيس الحكومة لم يحصل على أي صوت، أي أن حزبه لم يصوت له، لمعرفته أن حظوظ نجاحه ضئيلة. وبالتحالف مع حزب ميركل، نجح «البديل لألمانيا» بإيصال ما بات يُعرَف بأنه مرشحه لرئاسة الولاية.

كل هذا أحدث جلبة كبيرة لدى إدارات الأحزاب الفيدرالية. فزعيمة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي التي تشغل أيضاً منصب وزيرة الدفاع في حكومة ميركل، أنغريت كرامب كارنباور، سارعت للقول إن الحزب في تلك الولاية تصرف عكس توجيهاتها، ودعت أعضاء الحزب إلى عدم التعامل مع رئيس الحكومة، وقالت إنه لا يمثل البرلمان المحلي المنتخب وإنه بات الآن معتمداً على «البديل لألمانيا» للحكم.

ووصف سياسيون في حزب ميركل اليوم بأنه «يوم أسود» في تاريخ ألمانيا، فيما وصف معلقون ألمان هذا التحالف بأنه «تاريخي» ولكن بشكل سلبي، وبأن ما حصل يشكل «فضيحة» لحزب ميركل. وأبدوا تخوفهم من أنه قد يكون بداية لتحالفات أخرى مع الحزب اليميني المتطرف في ولايات مختلفة، وربما على الصعيد الفيدرالي.

ومنذ أشهر، يروج البعض في حزب ميركل لضرورة بناء تحالفات مع الحزب اليميني المتطرف في الولايات الشرقية، حيث بات يتقدم في معظمها على الأحزاب الأخرى. ويروج البعض الآخر لسياسة أكثر تشدداً تجاه اللاجئين والمهاجرين في محاولة لسحب البساط من تحت أقدام «البديل لألمانيا» الذي بات يستقطب مؤيدين من الأحزاب الرئيسية مستائين من سياسة «الأبواب المفتوحة» التي روجت لها ميركل، في ظل الأزمة السورية. وحتى الآن تقاوم ميركل هذه الدعوات، وتؤيدها كذلك زعيمة الحزب كرامب كارنباور، التي انتخبت العام الماضي، عندما قررت ميركل التنازل عن زعامة الحزب والتفرع لرئاسة آخر حكومة تخدمها قبل اعتزالها في نهاية مدتها، العام المقبل.

ولكن المخاوف تتزايد حول مستقبل الحزب اليميني الوسطي بعد مغادرة ميركل التي نجحت بتطويره وشده نحو الوسط، لا سيما أن كارنباور التي توصف بأنها «نسخة مصغرة عن ميركل» قد لا تتمكن من البقاء في منصبها، ما قد يفتح الباب أمام الجناح المتطرف، في الحزب الذي من المؤكد سيغير الكثير من «المحظورات» التي خطتها ميركل طوال 15 عاماً من حكمها

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial