ســـــياسة الـبرامج في العمل الإداري – بقلم منتصر صباح الحسناوي
ما هو برنامجك؟
هذا السؤال يُطرح على المرشحين للبرلمان العراقي، أو لمرشحي هرم الدولة والمناصب الوزارية، وكأنَّ الواقع المؤسسي يخلو من برامج أو عمل مخطط؟
في العمل الإداري،
رف أنّ البرنامج هو مسار عمل يُفترض فيه الاستمرارية والتراكم وتنبثق منه خطط قصيرة لمعالجة حاجة عاجلة وخطط متوسطة لترتيب الأولويات وخطط إستراتيجية يُفترض أن تكون البوصلة التي لا تتبدّل بتغيّر الاتجاهات المؤقتة.
غير أنّ هذه الصورة على وضوحها تصطدم في الواقع العراقي بمشهد أكثر اضطراباً.
مع كل تغيير سياسي يُعاد تعريف الأولويات وتُعاد قراءة البرامج السابقة بمنطق الشك والفوقية أكثر مما هي قراءة تقييمية، إذ لا يُنظر إلى ما أُنجز باعتباره أساساً يمكن البناء عليه وإنما بوصفه مرحلة انتهت بانتهاء أصحابها.
عندها تتوقف مشاريع كثيرة وتُجمّد خطط وتُعاد صياغة الرؤى، وكأن المؤسسة تعيش لحظة تأسيس متكرّرة لا تصل إلى الاكتمال.
الأمر يبدأ بالبرنامج الحكومي ويمتد إلى داخل الوزارات نفسها، فتغيّر الوزير يعني غالباً تغيّر الرؤية وتغيّر الإدارة العليا وتغيّر مقاربة العمل، حتى وإن كانت الملفات واحدة والتحديات نفسها والموارد لم تتبدّل.
هنا تبدأ المؤسسة بفقدان ذاكرتها ويصبح الزمن الإداري مُقطّعاً إلى مراحل منفصلة.
هذا الواقع لا يُنتج تعقيداً إدارياً فقط، وإنما يُعطّل عدداً من مسارات التنمية، ويتسبّب بضياع الجهود والموارد وتبتعد النتائج وسط إحباط متراكم.
وتكمن خطورة ذلك في تكرار الأمر، مما ولّد ثقافة شك بالخطط والبرامج المؤسسية، فيغيب الإيمان بقيمة التخطيط طويل الأمد.
في الدول ذات المؤسسات الراسخة يكون التغيير السياسي أقرب إلى المراجعة، إذ تُقيَّم الخطط، ثم تُحدَّد الإخفاقات، وتُعالَج الثغرات، وتُضاف برامج جديدة مبنية على العمل المؤسسي والقيادة الفعلية، لتُكمل ما سبقها.
نعم، السياسة ترسم الاتجاه العام، فيما تبقى الإدارة وفية لعملها ومسارها التنموي، بعيدة عن الأشخاص والدورات الزمنية القصيرة.
ما زلنا في هذه المنطقة الهشّة من تداخل الرؤية السياسية مع القرار التنفيذي، التي تُحوّل المؤسسة إلى ساحة اختبار للأفكار الجديدة، بدلاً من أن تكون فضاءً لتطوير الأفكار المتراكمة لتحقيق الاستدامة في التنمية والتطوير.
من هنا، تصبح المطالبة بعرض البرامج السابقة، ومعرفة ما أُنجز منها، عند تسلّم أي مسؤول جديد، مسألة جوهرية.
بعدها، وبمساعدة الأجهزة التنفيذية، يمكن عرض أسباب التعثّر وسبل المعالجة وهو المدخل الطبيعي لأي إضافة حقيقية يُراد تطويرها أو تعديلها.
فالإضافة التي لا تنطلق من فهم ما سبقها تتحوّل غالباً إلى تكرار بأسماء جديدة.
التنمية واستدامتها لا تُبنى بالقفز، وإنما بالتراكم والاستمرارية، استناداً إلى الاستراتيجيات المُعدّة ضمن بيئتها الطبيعية.
والواقع الاقتصادي والسياسي، بكلِّ ما فيه من تحديات وتسارع عالمي في الحداثة، يفرض رؤية هادئة، بعيدة عن منطق البدء من جديد، تكون قادرة على المواءمة بين المتغيّر والثابت.
لهذا، فإنّ الحاجة اليوم إلى سياسة تُقرّ بأن التغيير ضرورة، وبأن التطوير حق، بشرط الاستمرارية، كسياسة تجعل من البرنامج الحكومي إطاراً موجّهاً، لا أداة إلغاء شخصية.
عندها فقط، يمكن للعمل الإداري أن يستعيد معناه وتتحوّل الخطط من أوراق مؤقتة إلى مسارات تنمية حقيقية ويتحوّل التغيير السياسي من عبء يُربك المؤسسات إلى فرصة تُنضجها وتطوّرها باستدامة واضحة، وتخطيط طويل الأمد يمكن تحديثه دون إلغائه.
الوكالة الغربية للأنباء