الأخبار العاجلة

الدكتور تحسين معلّة الطبيب الذي ادركته السياسة وغيبته الخلافات

الغربية – كتب عبد الحسين شعبان – الدكتور تحسين معلّة الطبيب الذي ادركته السياسة وغيبته الخلافات

((ربع قرن في سبيل البعث وآخر ضدّ السلطة استهلال))

لا يستقيم فهم التاريخ إلّا باستيعاب الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والفكري، والأمر لا يقتصر على  ما تدوّنه الكتب والمخطوطات من أحداث ووقائع، خصوصًا للتاريخ المعيش، أي الراهن من الأحداث والقضايا، وارتباطًا بما هو حاضر بما مضى، وإنما هناك جوانب أخرى مكمّلة ومتمّمة تضيف نكهة خاصة على قراءة التاريخ وفهم أحداثه، لمن شارك وساهم وعمل على صنع بعض تلك الأحداث والوقائع والأحداث أو كان شاهدًا عليها أو قريبًا منها، لاسيّما من جانب بعض الشخصيات الوازنة والمؤثّرة التي تركت بصمة هنا أو هناك فعلًا أو قولًا، لتأتي بعدها شهادات لاستكمال رواية بعض الحلقات كي ما تكون أكثر صميمية ووجدانية، بضمّ بعضها إلى بعض، حيث يتم النظر إليها كوحدة قائمة، وإن كان كلّ واحد يرى في الصورة ما يفيده من زاويته،  وهكذا تتداخل محطّات التاريخ وتتفاعل أحداثه في جوانبها المختلفة.

والبحث في التاريخ باعتباره “أب العلوم” يحتاج إلى فلسفة، فهي “أم العلوم”، ولكلّ تاريخ فلسفة، مثلما لكلّ فلسفة تاريخ، والتاريخ والفلسفة يُستحضران في إطار علم السياسة الذي هو “ملك العلوم” حسب أرسطو.

كما يتداخل في البحث التاريخي الفردي بالمجتمعي والخاص بالعام والموضوعي بالذاتي، ولا يمكن إهمال دور الفرد في التاريخ حتى وإن كنّا نتحدّث عن كتل أو جماعات أو أحزاب أو قوميات أو طبقات أو أديان، وهذه هي التي تصنع المشهد الأخير، لكن في هذا المشهد ثمّة إضاءات فردية لولاها لما كان التاريخ الذي نقرأه ونعرفه تاريخًا على ما هو عليه.

أسئلة وقلق

مبرّرات هذا الكلام هو مدخلي للحديث عن شخصية سياسية مخضرمة، شارك في صنع الأحداث، وبقدر ما كان صاحب قرار فقد كان ضحيّته أيضًا، ومن قلب الأحداث إلى هامشها ومن المنصّة إلى الحواشي، بعيدًا ومنفيًا وملاحقًا، تلك هي السياسة في بلادنا، لم تعرف التطوّر التدرّجي والوسطية والاعتدال، فقد كان التعصّب ينتج تطرّفًا وهذا الأخير حين ينتقل من التفكير إلى التنفيذ يصير عنفًا، خصوصًا حين يستهدف إقصاء الآخر أو إلغائه أو تهميشه، والعنف يصبح إرهابًا إذا ضرب عشوائيًا وهكذا.

وحتى حين كان تحسين معلّة في السلطة أو قريبًا منها، فقد كانت الأسئلة إزاء الآخر تداهمه، وظلّ يبحث عن أجوبة لم يكن من السهل العثور عليها في ظلّ صراعات ضاغطة من خارج المؤسسة الحزبية التي عمل فيها ومن داخلها على نحو أشد، وامتدّت أسئلته وقلقه مع وجوده في المعارضة أيضًا، ففي لندن، وخصوصًا بعد غزو الكويت العام 1990 وعشية حرب قوّات التحالف ضدّ العراق (17 كانون الأول / يناير 1991) كان السؤال الكبير: ما السبيل لمواجهة نظام الحكم؟ هل بالانقلاب العسكري؟ ومن يقوم بذلك؟ وأية قوّة تمتلك المعارضة؟ وهل يعوّل عليها؟ وماذا لو أطيح بالنظام من خارج المعارضة؟ فماذا ستفعل؟ وكيف ستتصرّف؟ وما هو مواقف القوى الإقليمية، خصوصًا إيران؟ وبالتالي ما السبيل لعلاقة الداخل بالخارج؟ وانفتحت تلك الإشكاليات والأسئلة على مشاريع خارجية، حيث دخل الأمريكان على خط المعارضة، بقناعة أو تواطؤ أو واقع حال، بعد أن كانت اليد السورية والسعودية وإلى حد ما الإيرانية متوغّلة داخلها، وبدا الأمر واضحًا في مؤتمر بيروت (آذار / مارس 1991).

إن عدم وجود إجابات شافية ومقنعة ومطمئنة زاد من القلق، خصوصًا في ظلّ عدم توفّر معلومات كافية ومحاولات اختراق حكومية مضادة، ناهيك عن ضبابية وتشوّش في الرؤية، بحيث أخذت هذه العوامل تتفاعل في ذهن تحسين معلّة والعديد من الشخصيات المعارضة، بل كانت تصطرع، وأحيانًا تتناقض وتتعارض، وهكذا كان يقدّم خطوة ويؤخّر خطوتين مثل الكثيرين غيره، فلم يكن وحده على هذه الشاكلة، حيث شغل الأمر عدد غير قليل من المعارضين والأحزاب والقوى والشخصيات، ولاسيّما من رفاقه الذين عملوا بالقرب من السلطة أو في داخلها، ويعرفون مصادر قوّتها وهي كثيرة، ومصادر ضعفها وهي غير قليلة، حيث أخذت هذه العوامل الأخيرة تتعاظم وتتضاعف في ظل صراع دولي محموم.

حساسية مفرطة

حين أتناول شخصية مثل الدكتور تحسين معلّة، لا أستطيع أن أوصّف شخصيّته وإن كانت واضحة جليّة، إلّا أنها حملت متناقضات بين جنباتها، وإذا كانت السياسة بنت اللحظة فهي لحظة مفارقة أحيانًا، فحين يكون في السلطة أو بجانبها كان يتعاطف مع معارضتها، خصوصًا الضحايا، لاسيّما ما يخصّ القسوة والعنف في التعامل مع المعارضين، وحين يكون في المعارضة كان يفكّر أحيانًا بعقل السلطة أو من معها من رفاقه مثلما كان يومها يعيش قلقًا وجوديًا، فالسلطة هي لحزب البعث، لكن الكثير من البعثيين هم من ضحاياها، لذلك تراه يتقدّم ويتأخّر تبعًا لمشاعره.

ولحساسية تحسين معلّة المفرطة فلم يحتمل بعض تصرّفات رفاقه أحيانًا ، فقد جمّد نشاطه في العام 1956 وعاد إلى الحزب الذي ساهم في تأسيس لبناته الأولى بعد ثورة 14 تمّوز / يوليو 1958 وبالتحديد بعد أن شعر بأهميّة المواجهة، وذلك بعد يوم من حركة العقيد عبد الوهّاب الشوّاف في الموصل ( 8 آذار / مارس 1959) وهي فترة صعبة وقاسية على البعثيين والقوميين حينها بسبب الملاحقة التي تعرّضوا لها.

وتحسين معلّة لم يكن يعرف الاستكانة أو المهادنة  وكأنه خُلق للتحدّي، فقد ظلّ طيلة حياته متحمّسًا حتى وهو في عقده الثامن، لكنّه يتصرّف بحماسة شاب في ريعان شبابه ويأخذ مهمات على عاتقه هي أقرب بمهمات الشباب وليس الشيوخ.

في التقدّم والتراجع وما بينهما من هدنة ومساكنة، كان الإنسان في قلب تحسين معلّة يكبر أكثر فأكثر، وكما يقول بحكم مهنته الإنسانية، فالطبّ ليس كبقية المهن، فما بالك حين كان يمتثل لنداء قلبه، فيغامر بمعالجة جرحى عملية اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في 7 تشرين الأول / أكتوبر1959 وبينهم سمير عبد العزيز النجم وصدّام حسين، الذي يتعرّف عليه لأوّل مرّة والذي سيصبح الشخص الأبرز بعد الرئيس أحمد حسن البكر إثر انقلاب العام 1968 وستكون بينه وبين صدّام أكثر من حكاية ومن قصّة، فقد عرض عليه في الأيام الأولى للانقلاب أن يكون محافظًا للكوت أو للبصرة، لكنه اعتذر، كما يذكر ذلك في حواره مع مهدي السعيد إلى جريدة الحياة اللندنية (حلقتان 18 و19 تشرين الثاني / نوفمبر 2004).

وجاءت هذه الحادثة إثر ردّ بارد من تحسين معلّة على مكالمة “للقائد الفعلي” للبلاد منذ 17 تموز / يوليو 1968 والتي حاول تصحيحها باتصال به وتلطيف الأجواء معه في اليوم التالي، علمًا بأن علاقته كانت وطيدة ومستمرّة مع الرئيس البكر منذ العام 1966 لكنّها تصدّعت وأصابها شيء من الفتور بعد تعيينه سفيرًا للعراق في الجزائر، ثمّ سحبه بعد سنة وشهرين، وهو ما دفع تحسين معلّة حتى بعد تعينه عميدًا لكلية الطب أن يتوجّس خفية فيختار المنفى إثر الضغوط والمضايقات التي تعرّض لها، وهو الذي سيؤسس مع صلاح عمر العلي وإياد علّاوي تنظيمًا معارضًا في لندن يطلقون عليه إسم “الوفاق”.ومن أسباب توتّر علاقاته مطالبته في العام 1973 كتابة تقرير يفصح فيه عن وجهة نظره بالحكم، وذلك في إطار تعميم حزبي كما يقول، لكنه امتنع عن القيام بذلك فحوسب وطولب بإنجازه، وبعد بضعة أشهر كتب ما مفاده أن التمترسات المناطقية والعشائرية والجهوية تغلّبت على المصلحة الوطنية في الدولة، وضرب بعض الأمثلة كما قال لي في حديث مطوّل معه في لندن العام 1992. وحين سألته ماذا كان جواب القيادة؟ قال لي لم يسألني أحد عن رأيي بعد ذلك ولم يجبني أحد عن التقرير الذي كتبته. وهذا يعني في العرف الحزبي والممارسات التي سادت في التنظيمات الشمولية، عدم الارتياح من الرأي المخالف، بل ووضع علامة حول الاسم تتعلّق بالولاء، أي من دائرة الشك.

الحزب والدولة

يبدو أن التزام تحسين معلّة بمعايير الدولة وإدارتها غلبت على طاعته الحزبية، خصوصًا مناقشة قرارات أو أوامر أو توجيهات أو تعليمات كانت تأتيه من الأعلى، لكنه ألزم نفسه بما تمليه عليه القوانين السائدة، فرفض طلبًا لصدّام حسين نائب الرئيس، بتعيين أحد خرّيجي الطب حديثًا ويحمل دبلومًا عاليًا، كأستاذ في كليّة الطب، وكان من المفروض أن يعيّن مدرّسًا (تدريسيًا كما يسمّى) لكن نائب الرئيس صدّام حسين حينها كتب على أوراقه يُعيّن “أستاذًا”، وربما لا يفرّق كثيرًا بين الأستاذ ولقب الأستاذية والأستاذ المساعد والتدريسي، وهي درجات في السلّم الوظيفي والإداري والأكاديمي في الجامعات.

وقد تخلّص تحسين من الإحراج الذي مرّت به وزارة التعليم العالي ورئاسة الجامعة بأن كتب على الطلب بعد صدور الأمر بتعيينه “أستاذًا”، “يباشر ويُحال ملفّه إلى رئاسة الجامعة لتحديد درجته العلمية…”، وقال لي أنه حين كتب ذلك تحسّس رقبته بيده، مثلما وضع يده الأخرى على قلبه.

وظلّ يحاول التشبّث بالقانون بما فيه بخصوص الراتب، وحسبما يبدو أن المسألة نوقشت في أعلى المواقع، ليس الهدف منها تحديد الدرجة والراتب، بل بتسليط الضوء، كيف يحُقّ لموظّف مخالفة أعلى سلطة في البلاد؟

 أمّا القضيّة الثانية، فتتعلّق بتهوّر أحد الإيرانيين المعارضين الذي كان العراق يستضيفهم ويدعمهم، وقد اتخذ تحسين قرارًا بفصله من الكليّة لعدم تصرّفه بما يليق به كطالب، لكن هذا الأخير حاول انتظاره عند مدخل الكلّية، بل همّ باستخدام مسدّسه، فهجم عليه أحد الموظّفين وأخذ المسدّس منه، واتصل بالقصر الجمهوري ليخبر الرئيس البكر بذلك، وشرح الأمر لطارق حمد العبد الله، ثمّ اتصل به هيثم ابن الرئيس البكر وكان سكرتيرًا لوالده، وقال له: اتخذ الاجراءات التي تجدها مناسبة، فاتخذ القرار بترقين قيده. وللحادثة جوانب أخرى، حين اتصل به سعدون شاكر مدير المخابرات، يطلب البحث عن حلّ للقضية، وبعد نحو شهر، اتضح أن هناك من قام بنقله إلى جامعة الموصل بقرار من وزارة التعليم العالي.

بين الكويت ودمشق ولندن

كانت الإشارات الجديدة – القديمة على عدم الرضا تتراكم وتترى بسرعة كبيرة، حيث ازداد عدم الارتياح،  وشعر تحسين بحالة من الاختناق قائلًا: كيف أنا أتصرّف أمام الناس وأنا المعروف ببعثيّتي، في حين أن سلطة البعث تحاول تحجيمي والنيل منّي وتحويلي إلى أداة، فاتّخذ قراره بالابتعاد، ولذلك قدّم استقالته حفظًا لكرامته ولكي لا يظهر مسؤولًا بلا مسؤولية، لكن الجماعة كما يقول لم يعجبهم ذلك، فأحالوه على التقاعد بقرار من مجلس قيادة الثورة.

واضطّر بعد ذلك إلى مغادرة العراق (نيسان / أبريل 1976) فتوجّه إلى الكويت، وكان لديه دعوة لحضور مؤتمر الدراسات الطبيّة في طهران، وبدلًا من السفر إليها توجّه إلى الكويت واستقرّ فيها وباشر عمله، وخلال وجوده في الكويت جرت محاولة لاغتياله حسبما أبلغني، لأنه قرّر وقتها أن يعمل على معارضة الحكم في العراق.

وكانت خطوته الأولى الاتصال بالسوريين، وقد استقبله سرًّا الرئيس حافظ الأسد في منزله بدمشق، ويبدو أن الزيارة تسرّبت إلى الأجهزة العراقية، فوضعت قنبلة تحت سيّارته يوم 20 حزيران / يونيو 1977 وهو ما أخبر به الشيخ سعد العبد الله، وبعد تنقّله بين الكويت والشام ولندن استقرّ في لندن وطلب من عائلته الالتحاق به.

ولم يتم الاكتفاء بذلك، والحديث لتحسين معلّة، حيث قال لي أن بعض عناصر المخابرات العراقية في لندن اقتحمت منزله واعتدت على زوجته بالضرب، وكان ذلك يوم 25 أيلول / سبتمبر 1980أي بعد ثلاثة أيام من بدء الحرب العراقية الإيرانية. وبعدها قام الاسكتلنديارد (الشرطة البريطانية MPS) بتأمين حمايته بنصب جهاز إنذار مبكّر مرتبط بالشرطة وزر تلفون مُشفّر، خصوصًا بعد ان شرح لهم محاولة اغتياله في الكويت، وقد أنجزوا له إقامته التي كانت معطّلة بسبب عدم تمديد جواز سفره وعائلته

لغة المعارضة

تمرّس تحسين معلّة في العمل السياسي، وفي مواقع سياسية وإدارية عليا، فهو من أقدم القيادات البعثيّة وعمل مع فؤاد الركابي أول أمين قطري لحزب البعث، بعد أن كانت علاقته بعبد الرحمن الضامن الذي لم يستمرّ طويلًا، وكانت قبل ذلك ، أي من العام 1952 مسؤولًا عن المكتب التنفيذي (التنظيمي) ومكتب العلاقات الوطنية للصلة بالأحزاب والقوى الأخرى. أي أنه كان لولب الحزب الفعلي، لذلك أصبح الشخص الثاني بالحزب بعد مؤتمره الأول العام 1954.

وظلّ تحسين معلّة يراكم الخبرة، وفي ما يُكلّف به أو يأخذه على عاتقه من مهمّات مبادرًا وجريئًا وصاحب رأي، فلم يعتد أن يبلع لسانه كما يُقال، وظلّ النقد ممارسة مستمرّة له، نقدًا ثقيلاً وجافًا أحيانًا أم خفيفًا وبسيطًا، بالكلمة والموقف، فهو يمتلك عقلًا ناقدًا، وأعرف أن القليلين من السياسيين امتلكوا مثل هذه الخاصيّة، لذلك كانت مشاكله كثيرة حتى في المعارضة أيضًا، فهو رأس حربة دائمًا. ويمكنني القول أنه من جيل السياسيين الذين كانت الممارسة والعمل الجماهيري تشكّل جلّ حركتهم السياسية.

أعتقد أن لغة الاحتجاج والتمرّد والرفض كانت تسكن تحسين معلّة منذ نعومة أظفاره، وهي سمات رجولة وشموخ وتحدّ. وحتى مفرداته كانت مفردات احتجاج وأحيانًا مشاكسةً لدرجة أن بعض أصدقائه يغفرون له ذلك لمعرفتهم بصدق نواياه وطيبة قلبه. كان التغيير والرغبة في إصلاح الأوضاع قد سكنت عقله الباطن وتمكّنت من لغته بحيث صارت جزء من شخصيّة تحسين.

وأستطيع أن أقول دون خشية من الوقوع في الخطأ أو مجانبة الحقيقة أن تحسين معلّة جمع في شخصيته وسلوكه ودوره السياسي مجموعة من الشخصيات المؤتلفة والمختلفة، المستقرّة والقلقة، الموالية والمعارضة، وهي سمة تكاد تكون استثنائية، وهو ما يختلف به عن الكثير من رفاقه ومجايليه، فقد كان مباشرًا وواضحًا، ولم يكن لديه ازدواجية أو باطنية، وتستطيع أن تتعرّف عليه وعلى رأيه بعد دقائق من اللقاء به والاستماع إليه، مع قوّة شخصيّة وإصرار وإرادة حديدية، خصوصًا إذا اقتنع بقضيّة ما، وكان مجادلًا من الطراز الأول، ولربما عمله في ميدان العلاقات في حزب البعث ولقاءاته مع زعماء سياسيين كبار ومنذ وقت مبكّر أكسبه هذه المواصفات، خصوصًا الاهتمام من أبسط القضايا حتى أرقاها، ومن أصغرها إلى أكبرها. وقد شرح لي في أحد المرّات نظام المرور في بريطانيا، واكتشفت مدى اطلاعه على أمور وقضايا لم أفقه عنها شيء حتى الآن.إن الخزين الشخصي لتحسين معلّة كان تجربته، أي البراكسيس، وهي أهم لديه من النظريات والكتب والأبحاث، وكان دائمًا ما يفكّر ببعض الجوانب العملية، فهو يمتلك طاقة حيويّة على فهم وتفسير الأحداث متوسّمًا تقريب ما يريد الوصول إليه من أهداف، سواء مع محاوره أم لتعميم وجهات النظر التي يؤمن بها، حتى أن القريبين منه أصبحوا يعرفون ما يهدف إليه عند أول حديثه أو حواره، لأنه يقدّم الرأي والمعلومة دون لفّ أو دوران، وهو تشخيص دقيق أيضًا للسيّد محمد بحر العلوم لشخصيّة تحسين معلّة.

المدرسة القومية

اختار تحسين معلّة المدرسة القومية بحكم نشأته المدينية والعائلية، فشقيقه المحامي المعروف فاضل معلّة “والد حسنين” كان من أركان العمل القومي وأحد أقطاب حزب الاستقلال الذي يتصدّره قوميون عرب كبار مثل الشيخ محمد  مهدي كبّة وصدّيق شنشل وفائق السامرّائي وآخرين، وقد انخرط هو في وقت مبكّر في هذا التيّار لأنه أقرب إلى مزاجه وتكوينه، لكنّه ظلّ يبحث عمّا هو أكثر جذرية وعمقًا منه، حتى اهتدى إلى حزب البعث العربي الذي أصبح اسمه حزب البعث العربي الاشتراكي بعد اتفاق ميشيل عفلق مع أكرم الحوراني على اتحاد مجموعتيهما.

ولأن ميله عربيًا بسمة إسلامية، لذلك لم يستهوه التيار اليساري والماركسي، بل احتجّ كما قال لي على الرئيس أحمد حسن البكر في حوار معه، في الستينيات وقبل انقلاب 17 تموز / يوليو 1968 على التأثر بالاشتراكية العلمية الماركسية، التي أكثر البعثيون الحديث عنها وبمبالغات أحيانًا بعد انهيار نظامهم الأول في 18 تشرين الثاني / نوفمبر 1963وازداد الأمر إثر هزيمة 5 حزيران / يونيو 1967.

والواقع فإن ما يطلق عليه “اشتراكية علمية” من منظور حزب البعث، كان مجرّد اختصارات وانتقاءات واقتباسات من الماركسية أُلبست ثوبًا عاطفيًا أحيانًا وبمسحة دينية إسلامية في أحيان أخرى، بهدف التميّز عن الشيوعية والتفريق عن الاشتراكية الماركسية، وهذه الأخيرة كانت خصمًا معلنًا أو مستترًا لحزب البعث منذ بداية تأسيسه في إطار منافسة مشروعة وغير مشروعة أحيانًا، علمًا بأن ما أطلقنا عليه “اشتراكية علمية” من منظور المدرسة الماركسية السوفيتية كان أقرب إلى تعويذات وأدعية وكليشيهات كانت تردّدها الأحزاب الشيوعية، فقد اتسمت بتسلّطية وبيروقراطية لا يربطها في كثير من الأحيان أي علاقة مع روح الماركسية أو جوهرها.

وتمّ تعليب النظرية واختزالها إلى شعارات بعيدة عن الواقع، مثل ديكتاتورية البروليتاريا والطليعة والتنظيم الفولاذي، إضافة إلى التأميم الشامل لقوى الإنتاج وتذويب القطاع الخاص والاستخفاف بالمبادرات الفردية.

وإذا كان ماركس حلّل بعبقرية واقع الرأسمالية وكشف عيوبها الجوهرية والقوانين التي تحكمها لدرجة يحق لنا القول أن الماركسية هي “علم الرأسمالية” بامتياز، فإنه لم يكن ليستطيع أن يتنبأ بقوانين الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، إلّا بصيغتها العمومية، وعلى من واجه هذه الإشكالية وضع القوانين المناسبة انسجامًا مع درجة تطوّر كلّ بلد اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا وعلاقاته التاريخية، وليس كلّ ما ذهب إليه ماركس من تعليمات تصلح لعصرنا، فقد كان بعضها صالحًا لعصره، فضلًا عن أن الحياة لم تثبت صحّة العديد من أحكامه، ويبقى فضله كبيرًا على البشرية لاكتشافه قانون التطوّر التاريخي وفائض القيمة.علمًا بأن ماركسية ماركس (ماركسية القرن التاسع عشر) تختلف عن الماركسية السوفيتية التي أضيف إليها “اللينينية” (ماركسية القرن العشرين) والماركسية الصينية التي أضيفت إليها “الماويّة”، وماركسية السلطة تختلف عن ماركسية المعارضة، وماركسية القرن العشرين تختلف عن ماركسية القرن الحادي والعشرين، الأمر الذي بحاجة إلى مراجعات جريئة في النظرية والممارسة.وهدفي من هذه الإضاءة السريعة التي عالجْتُ جوانب مهمة منها في كتابي “تحطيم المرايا – في الماركسية والاختلاف” (الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009) القول أن الاشتراكية الماركسية الشيوعية، وخصوصًا تطبيقاتها لم تكن لها علاقة بماركس أو بالماركسية في جدليّتها وفي التمركس بشكل عام (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية)، حيث كان ماركس حلقتها الأولى، فما بالك باشتراكية البعث ذات الشعارات العمومية، فضلًا عن محاولة التميّز فيما يتعلّق بالتهم المتعلّقة بالإلحاد وما شابه ذلك من تقديرات بعضها يجانب الحقيقة ويقوم على فرضيات بعيدة عن الواقع، استخدمت في مرحلة الصراع السياسي مع الحركة الشيوعية. .

جيل البعث الأول

كان تحسين معلّة وجيله من البعثيين الأوائل لا يخفون عداءهم للاستعمار، وخصوصًا موقفهم من قضيّة فلسطين وتشريد أهلها، وتطوّر هذا الموقف لمناهضة حلف بغداد العام 1954 – 1955  والتصدّي للتيارات التغريبية، أي محاكاة ما هو غربي من جانب بعض الليبراليين وموقف هؤلاء السلبي من التراث والتاريخ العربي. وقد تأثّر معلّة وجيل البعث الأول منذ انخراطه في التيّار العروبي بالرسالة الخالدة التاريخية وظلّ يشعر نحو شعار “أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” بإخلاص كبير حتى وإن جرى تشويه هذا الشعار في ظلّ الديكتاتورية، وإذا كان رفضه للتقليدية والمحافظة في رؤية التراث، فإنه وقف ضدّ بعض محاولات النيل منه من زاوية مختلفة وبطفولة يسارية أو عدم اهتمام أحيانًا، كما فعلتم أنتم ويقصد الشيوعيين، مادًا إصبعه إليّ. وجرت المناقشة بيننا طويلًا حول الموقف من التراث وإمكانية توظيفه، وذلك بإعادة قراءته وتفسيره وأخذ ما هو إيجابي ومضيء منه وإهمال ما هو سلبي. فتاريخنا العربي والاسلامي مثل كلّ تواريخ العالم فيه الغث والسمين وفيه الصالح والطالح، وعلينا استلهام المعاني الإيجابية والقيم الإنسانية والدلالات المستقبلية، وبما ينسجم مع قيم العدل والمساواة والكرامة والحريّة والخير والجمال.

وكنت أكرّر معه: علينا لا إعادة التاريخ فهو ماضٍ لن يعود، ولكن علينا استحضاره لأنه يعيش فينا بهدف استلهام ما هو خير وإنساني وعادل وجميل فيه، وتلك ما يُطلق عليه العلاقة بين الأصالة والمعاصرة وبين التراث والحداثة.

أعتقد أن تحسين معلّة كان يشعر بانتماء عميق وهويّة أصيلة من خلال وعيه العروبي الذي دائمًا ما يجد محيطًا أكبر يسبح فيه وهو الدائرة الإسلامية، وهذه رابطة جامعة لا بدّ من التعامل معها لأنها هي الأخرى تمثّل جزء لا يتجزّأ من تاريخنا، مع أنه ليس متديّنًا بالمعنى المعروف للكلمة، بل كان أقرب إلى المدنية والعلمانية بصياغاتها العمومية. وقد كنت دائمًا ما أضيف إليه الدائرة الإنسانية أي الكونية، فالبشر بغضّ النظر عن هويّاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية أو اللون أو الجنس أو الأصل الإجتماعي، خلقوا متساويين في الكرامة الإنسانية، وعليهم أن يتمتعوا بحقوق متساوية.كان جيل تحسين من البعثيين وعرفت الكثير منهم وربطتني صداقات عميقة مع بعضهم، يربطون وعيهم الأول بهويّتهم العربية باعتبارها رابطة وجدانية تجمع بشرًا يشعرون بهذا الانتماء الموحّد، وذلك خارج دائرة الأيديولوجيا من جهة، بل خارج دائرة الأنظمة التي شوّهت هذه الرابطة الوجودية الإنسانية، وخارج دائرة التأثّر بالفكر الأوروبي  ذي النزعة القومية الاستعلائية التي كانت تتسرّب إليهم أحيانًا. إنه شعور غريزي فطري بانتماء طبيعي إلى أبناء جلدتهم. وكان تحسين معلّة بمناسبة أو بأخرى يستذكر علاقاته الأولى برفاقه، وعلى الرغم من الصراعات الحزبية المميتة والقاتلة والتي تترك في النفس مرارات وتُثير عداوات أحيانًا وتخلق كراهية، إلّا أنه ظلّ يتهجى بعض جوانبها الوجدانية ويستعيد ذكرياتها الطيّبة.

النجف وشيء من “حتى” !

تلقّحت البذرة الأولى لتحسين معلّة في النجف وتفتّحت بأجوائها الأدبية وحوزاتها الدراسية الدينية وجدلياتها الثقافية والأدبية بعامّة والشعر بخاصّة، وهذا الأخير كان وما يزال يسكن النجف ويعيش في حاراتها وأزّقتها، فالمدينة لا تتنفّس إلّا بالشعر ولا تستنشق هواءً إلّا بالأدب، ولا تأكل إلّا بالفقه والبيان والنحو والصرف، حتى أن العطّار والبقّال والخيّاط وبائع البقلاء يتحاورون بألفية ابن مالك، وما أنتجته مدرسة الكوفة وبماذا تختلف عن مدرسة البصرة، وما الفرق بين العقل والنقل، بل كان النقاش عن “حتى” يأخذ أيامًا وأحيانًا بضعة أسابيع وما أدراك ما “حتى”، فكان كل واحد يشعر أن الآخر فيه شيء من حتى، ولعلّ في النجف “شيء من حتى” وما يزال. كلّ ذلك صَهَر تحسين معلّة وكوّن منه شخصيّة عامّة منفتحة ودودة، حتى وإن أبدى أحيانًا حدّة أو خشونة، لكن قلبه كان صافيًا ولم يعرف الحقد. كان أحيانًا يثور بسرعة كالبارود، لكنه يبرد بسرعة ويبتسم ويتراجع بثقة رجل بنفسه مقدّرًا عقل من يقابله.

أسباب واعتبارات

حين طلب منّي أ. حسنين معلّة أن أكتب عن عمّه د. تحسين معلّة، أوّل ما فكّرت به هو ما يجمعني معه، فضلًا عن صحبته، وقد سعدت لعدّة أسباب واعتبارات؛السبب والاعتبار الأول – أنه يمنحني فرصة للكتابة عن صديق عزيز لم تسنح لي الفرصة لرثائه حينها أو للكتابة عنه، وهي ديْنٌ في عنقي، فحسنين هو الذي سيحرّرني من فكّ ديني، خصوصًا أنني كتبت عن العديد من الأصدقاء، فما بالك بأبي أحمد الذي أكنّ له تقديرًا واحترامًا، وقد اجتمعت وإيّاه في عدد من المؤتمرات والاجتماعات واللقاءات، فضلًا عن الزيارات الخاصة، وأتذكّر منها دعوتي لعبد اللطيف الشوّاف، وكان من الحاضرين: عبد الكريم الأرزي وعبد الأمير علّاوي وعبد الغني الدلي وأحمد الجلبي وهاني الفكيكي ولطيف رشيد وتحسين معلّة وآخرين.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial