الغربية – بـــقلم الدكتورة- غدير سلام عارف تدريسية في جامعة بغداد – الإمـــام مــوسى بـــن جــعفر(عليه السلام) مـلاذُ الـصابرين وأمـانُ الـــقلوب
كانـت أمـي تـمضي أيامها ومــا زالت وهي تــتركنا بـعهدة وأمانة موسى بن جعفر (عليه السلام)، فـكبرنا في كـنف ذكـــراه، نـستلهم مـنه الـــصبر والأمـان، ونتعلّم كيف تكون الثقة بالله والتمسّك بالقيم نورًا في دروب الحياة المليئة بالتحديات. ومن هنا، نبدأ الحديث عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، ذلك الملاذ لكل متعب، وأمان لكل قلب قلق، والإمام الذي حوّل الصبر إلى مدرسة، والسجن إلى محراب للسمو الروحي.
لُذْ واستجِرْ متوسّلًا إذا ضاقَ الأمر أو تعسّر، فثمّة أسماءٌ ما ذُكرت إلّا وانفرجت معها الكُرَب، ولا استُحضرت إلّا وسكن بها الوجع، وفي مقدّمتها اسم الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، أبي الرضا، جدّ الجود، وإمام الصبر والحِلم.
لم يكن الإمام الكاظم (عليه السلام) رجل مرحلةٍ عابرة، بل مدرسة أخلاقية متكاملة، اختزلت في شخصه أسمى معاني الصبر، حتى صار لقبه مرادفًا لكظم الغيظ وضبط النفس أمام الظلم والطغيان. عاش (عليه السلام) زمنًا قاسيًا، تكالبت فيه السلطات على الحق، فواجه القيد بالصبر، والسجن بالعبادة، والبطش بالحِلم، فكان انتصاره أخلاقيًا وروحيًا قبل أن يكون تاريخيًا.
لقد شكّلت حياة الإمام الكاظم (عليه السلام) درسًا عمليًا في الثبات على المبادئ، إذ لم تُغْرِهِ الدنيا بزخارفها، ولم تُرهِبه السجون بظلماتها. بل على العكس، تحوّلت الزنازين في سيرته إلى محاريب عبادة، وأصبحت المحنة وسيلة للسمو الروحي، ليؤكّد أن القرب من الله لا تحدّه جدران، ولا تمنعه القيود.
ويكفي الإمام فخرًا أن اسمه اقترن بالأمان في وجدان المؤمنين، فكم من قلبٍ لجأ إليه فاطمأن، وكم من روحٍ نادته فانفرج همّها. لم يكن التوسّل به مجرّد تقليدٍ عاطفي، بل تعبيرًا عن الثقة بسيرةٍ عُرفت بالعطاء، وبشخصيةٍ تجسّد الرحمة الإلهية في أبهى صورها.
إن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يورّثنا كلماتٍ فحسب، بل أورثنا نهجًا في مواجهة الشدائد، قائمًا على الصبر، والتوكّل، واليقين بعدالة الله. ومن هنا يبقى ملاذًا لكل متعب، وأمانًا لكل من ضاقت به السبل، وذكره حاضرًا في القلوب كلّما اشتدّت المحن وتعسّرت الأمور.
سلامٌ على الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) يوم وُلد، ويوم صبر، ويوم سُجن، ويوم استُشهد، ويوم يُبعث حيًّا، وسيبقى اسمه نورًا لا يخبو في دروب الباحثين عن الأمان والرضا.
وختاما،إن ذكر الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يكن مجرد طمأنينة كلمات، بل كان أمانة تركتها لنا أمهاتنا، يحنّ إليها القلب عند الشدائد، ويستمدّ منها النفس الطمأنينة والثبات. فهو مدرسة في الصبر، ومثال في العطاء، وملاذ للقلوب المتعبة، وملجأ للنفوس المرهقة، وذكره أمانًا لا يزول لكل من لجأ إليه واحتفظ به في قلبه
الوكالة الغربية للأنباء
