كليات الإعلام المصرية لمواكبة (الرقمنة) عبر تحديث المناهج

الغربية – علاء الكبيسي – 19 – 10 – 2020

اتجاه لتعديل مسميات الأقسام ودمج بعض المقررات

دعا التطور الرقمي المتسارع في مجال الإعلام، كليات الإعلام المصرية إلى «وضع تصورات لتحديث مناهجها لمواكبة الرقمنة والتطور التكنولوجي»، وسط اتجاه بأن يطول التحديث «تعديل مسميات بعض الأقسام والمواد الدراسية لبعض كليات الإعلام، ودمج بعض المقررات».

ويرى خبراء إعلام «ضرورة تحديث وتطوير مضمون الدراسات الإعلامية، لتكون قادرة على تخريج جيل جديد من الإعلاميين يتمكن من التعامل مع أدوات العصر الحديث، لإنتاج محتوى إعلامي جاذب للجمهور». ورغم مخاوف الخبراء أن «يقتصر التغيير على الشكل والمسميات دون المضمون»، توقع آخرون أن «يتم إلغاء الدراسات الإعلامية ودمجها في دراسات أخرى، مثل الحاسب الآلي وعلوم البيانات».

الدكتور محمود علم الدين، أستاذ الإعلام، الوكيل السابق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن «التطورات المتلاحقة في صناعة الإعلام بوسائله كافة، تتطلب مراجعة الأوضاع الراهنة لإعداد الإعلاميين تعليمياً وتدريبياً». وتابع: «هناك عملية رقمنة كاملة لكل الوسائط، فضلاً عن عملية التقارب أو الدمج بين الوسائل المختلفة التي بدأت بالبث التلفزيوني المباشر عبر الأقمار الصناعية. ثم تُوّجت بظهور شبكة الإنترنت، والاتجاه إلى الصحافة الإلكترونية، ثم الطفرة في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وظهور المنصات الرقمية كمهدِّد لصناعة السينما والتلفزيون». واقترح الدكتور علم الدين أن «المراجعة على ثلاثة مستويات، تشكل مجتمعة المكوّنات المهنية للصحافي أو الإعلامي، وهي: مستوى المعارف الذي يتكون من معلومات عامة ومعارف إعلامية عامة ومتخصصة. ومستوى المهارات الاتصالية والإعلامية التي يصار إلى إكسابها للطلاب خلال سنوات الدراسة. ومستوى القيم والأخلاقيات المهنية».

من جانبها، طالبت الدكتورة هبة شاهين، رئيس قسم الإعلام في كلية الآداب جامعة عين شمس، بتغيير التقسيم الحالي لأقسام كلية الإعلام، الذي وصفته بأنه «تقسيم غير موجود وعفى عليه الزمن»، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يوجد اليوم تخصص حسب الوسيلة، فخريج الإعلام مطلوب منه أن يتقن مهارات الكتابة الصحافية، إلى جانب التصوير والمونتاج، والإخراج التلفزيوني، والتسويق، وأن يكون قادراً على التعامل مع التكنولوجيا». وأشارت إلى أن «مجال الإعلام يسبق الواقع، والممارسة المهنية، وهو يتحرك بسرعة شديدة، تستدعي العمل باستمرار لمواكبة التطورات المتلاحقة».

أما الدكتورة ميرال صبري، رئيس قسم الإعلام السياسي في جامعة «المستقبل» المصرية، فترى أن «الجانب العملي في الدراسة هو الأهم»، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن «المناهج الحالية تعتمد على الجانب النظري، وهي مناهج قديمة من سبعينات وثمانينات القرن الماضي، كما أنه لا يوجد تدريب للمدرسين على التقنيات الحديثة». وأشارت إلى دراسة هولندية صدرت أخيراً ترى أن «الدراسات الإعلامية سوف تندثر في المستقبل، لأنها بعيدة جداً عن الواقع، وسوف تندمج في كليات أخرى، مثل الكمبيوتر مثلاً، ليصبح الخريج قادراً على تصميم موقع إلكتروني مثلاً، أو تحليل البيانات».

يعود تاريخ دراسة الإعلام في مصر إلى الدكتور طه حسين، عميد الأدب العربي، الذي اقترح في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» منهجاً لدراسة التحرير والصحافة والترجمة في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً)، حيث أسس أول معهد لهذا الغرض على يد الدكتور محمود عزمي عام 1939، وكان هذا المعهد يمنح درجة الدبلوم المعادلة للماجستير، ثم حُوّل المعهد إلى قسم في كلية الآداب يمنح درجات الليسانس والماجستير والدكتوراه، عقب ثورة يوليو (تموز) في 1952.

وفي 19 ديسمبر (كانون الأول) عام 1969 وافق مجلس جامعة القاهرة على تحويل القسم التابع لكلية الآداب إلى معهد مستقل للإعلام، ضم أقسام الصحافة، والإذاعة والتلفزيون، والعلاقات العامة والإعلان. وبدأت فيه الدراسة فعلياً عام 1971 ليُحوّل إلى كلية، قبل تخريج الدفعة الأولى منه في عام 1974، ولقد تخرجت أول دفعة في كلية الإعلام في مصر والشرق الأوسط عام 1975. حسب موقع كلية الإعلام بجامعة القاهرة.

ثم، كخطوة على طريق اللحاق بركب التكنولوجيا، وافقت لجنة «الدراسات الإعلامية» في المجلس الأعلى للجامعات بمصر في أغسطس (آب) عام 2019 على المعايير الاسترشادية للدراسات الإعلامية في مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا، التي تشترط «تطوير المناهج كل خمس سنوات، وسحب الترخيص من أي كلية، لا تجدد مناهجها»، وفقاً لبيان صحافي من المجلس الأعلى للجامعات.

وحسب الدكتورة شاهين فإن «قطاع الإعلام في المجلس الأعلى للجامعات طلب تعديل كل لوائح وأقسام الإعلام التي مرّ عليها أكثر من خمس سنوات. وبالفعل اتُّخذت خطوات في هذا الصدد، لوضع إطار مرجعي محدد لتطوير اللوائح، من حيث نسب المواد الإجبارية والاختيارية، والمقررات الثقافية العامة، والمتخصصة، ونسب التدريب العملي». وذكرت أن «هناك الكثير من التخصصات التي تطرحها البرامج الدراسية الجديدة، مثل الصحافة الإلكترونية، والاتصال المؤسسي».

شاهين أشارت أيضاً إلى أن «هناك مساعي لتحويل قسم الإعلام، الذي أنشئ في جامعة عين شمس قبل 24 سنة إلى كلية، مع وضع تصور للدراسة باللغة الإنجليزية، وعمل برامج دراسية بينية، تتضمن دمجاً للتخصصات المختلفة، مثل الاتصال السياسي، والإنتاج الإعلامي، دون تقسيم الكلية إلى أقسام محددة».

في هذه الأثناء، «تمسكت كلية الإعلام في جامعة القاهرة بأقسامها التقليدية، فلم تلغِها أو تغيّر مسمياتها في التصور الجديد»، حسب الدكتور أيمن ندا، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون بالكلية، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التقسيم ما زال موجوداً بنفس الشكل في أميركا مثلاً»، موضحاً أن «برنامج التطوير في كلية الإعلام يتضمن وضع 9 مسارات، تدمج بين الأقسام المختلفة، في كل قسم ثلاث مسارات». وحسب ندا فإن «النظام الجديد للدراسات الإعلامية، كان من المفترض أن يبدأ تطبيقه في العام الدراسي الحالي؛ لكن أزمة فيروس (كوفيد – 19) أجّلته للعام المقبل، ومن المنتظر أن نرى نتائجه في خريجي كليات الإعلام عام 2026-2027».

من جهة أخرى، تنتظر الدكتورة الأميرة سماح فرج، عميدة كلية الإعلام في جامعة سيناء، موافقة المجلس الأعلى للجامعات على التصور الجديد للمقررات الدراسية بالكلية، كي تقدم خدمتها باللغة الإنجليزية. وقالت فرج لـ«الشرق الأوسط» إن «التصوّر الجديد يتضمن أقساماً مثل: البودكاست، والصحافة الرقمية، والإعلام الجديد والتفاعلي، والتصاميم الثنائية والثلاثية الأبعاد، وعلوم الكومبيوتر، والاتصالات التسويقية المتكاملة، والألعاب، ومواقع التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى برامج التدريب العملي التي ستركز على الاشتباك مع المجتمع لتنمية فكرة الإعلام الإقليمي».

هذا، ويشار إلى أنه في الوقت الذي تعمل الجامعات الحكومية في مصر على تعديل المناهج، وفقاً للائحة الجديدة، نفّذت الجامعات الخاصة تعديلات فعلية في المناهج، ومن بينها الجامعة الأميركية بالقاهرة. إذ شرح الدكتور حسين أمين، رئيس «مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية» بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أن الجامعة عدّلت مسميات الأقسام، حيث جرى تغيير مسمياتها إلى: قسم صحافة الوسائط المتعددة بدلاً من قسم الصحافة، وقسم وسائل الاتصال والتسويق المتكاملة بدلاً من قسم العلاقات العامة والإعلان. وأوضحً أن «الدراسة تعتمد اليوم على الحاسب الآلي، إذ انتهى التعامل الورقي، وتقييم الصحافي الآن يكون بسرعته في الكتابة وتصويب الأخطاء، والتعرف على البرامج وتصميم المواقع والصفحات، والتصوير الصحافي الإلكتروني».

وعلى صعيد متوازٍ في مقاله بصحيفة «الأخبار» الرسمية المصرية، في أغسطس الماضي، قال الكاتب الصحافي كرم جبر، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، إن «الأقسام التقليدية المتوارثة، (صحافة، وإذاعة، وعلاقات عامة) لم تعد صالحة للبقاء، وإنه يجب إعداد دارس الإعلام، وفقاً لمتطلبات العصر والثورة التكنولوجية الرابعة، بحيث يدرس كل فنون الاتصال الرقمي، إلى جانب الإجادة التامة للغات الأجنبية، والإلمام بكل ما هو جديد». وذكر جبر أن «بعض كليات الإعلام بدأت بالفعل تضيف كلمة رقمي أو تكنولوجي إلى جانب اسمها؛ لكن تم ذلك بطريقة عشوائية -على حد قوله- دون برامج مدروسة جيداً وفقاً للمعايير في الجامعات الدولية».

وحول المناهج الجديدة، قال الدكتور أيمن ندا إن «المناهج الجديدة نموذجية من حيث الشكل؛ لكن الأهم مرحلة التطبيق التي تتطلب توفير إمكانيات مادية في الكليات تسمح بزيادة ساعات التدريب العملي على الإنتاج الإعلامي وتكنولوجيا العصر الحديث، وإعادة تفعيل نظام البعثات الخارجية للأساتذة، حتى يتمكنوا من الاطلاع على الأشكال الجديدة والتقنيات الحديثة في الإعلام، لنقلها للطلبة». ومن جهته، توقع الدكتور حسين أمين أن دمج دراسة الإعلام مع مقرّرات الذكاء الصناعي لتنفيذ برامج تكشف الأخبار المزيفة «Fake News». وتابع: «لا أريد أن أقسو على النموذج القديم؛ لكن العالم يتغير بسرعة».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial