الأخبار العاجلة

حلم أوروبا بـ الاستقلال الاستراتيجي يصطدم بحرب أوكرانيا

الغربية – متابعة – علاء الكبيسي – 1 / تموز / 2022

قمة مدريد أكدت أهمية المظلة العسكرية الأميركية
وراء العناوين العريضة للقمة الأطلسية التي أنهت أعمالها الخميس في العاصمة الإسبانية، يقرأ الأوروبيون أن الدمار المروع الذي تخلفه المدافع الروسية في أوكرانيا قد أطفأ، أقله في القريب المنظور، أحلام الاستقلالية الاستراتيجية التي كانت تدغدغ الاتحاد الأوروبي منذ سنوات. ويتبينون مرة أخرى أن الحلف الأطلسي هو الحصن المنيع الذي لا غنى عنه للدفاع عن أوروبا التي كانت بدأت تشكك مؤخراً في جدوى هذه المنظمة العسكرية التي قامت من رماد الحرب العالمية الثانية وما ولدته من مواجهة باردة بين الشرق والغرب.

ومع انضمام السويد وفنلندا الذي وافقت عليه الدول الأعضاء الثلاثون، يصبح 97 في المائة من سكان الاتحاد الأوروبي تحت المظلة العسكرية والنووية للحلف، في الوقت الذي يرتفع الوجود العسكري الأميركي في أوروبا إلى أعلى مستوى منذ نهاية الحرب الباردة.

هذا التحول التاريخي الذي أعاد الحياة إلى الحلف العسكري الأطلسي بفعل الحرب في أوكرانيا التي هشمت النظام الأمني الذي كان قائماً في أوروبا، وضع الأوروبيين أمام الحقيقة التي كانوا يحاولون التهرب منها أو نكرانها، وهي أن الضمانة الأكيدة لأمنهم في الوقت الراهن لا تأتي إلا عن طريق «الناتو» وحليفهم الرئيسي الولايات المتحدة. وجاء المبدأ الاستراتيجي الجديد الذي أقره الحلف في مدريد ليجعل من القارة الأوروبية، مرة أخرى، المسرح الرئيسي للمواجهة والاحتواء مع موسكو، فيما كان الرئيس الأميركي جو بايدن يعلن نشر المزيد من القوات الأميركية في إسبانيا وبولندا ورومانيا وألمانيا وإيطاليا قبل أن يعلن في ختام القمة أمس عن حزمة مساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا بقيمة 800 مليون دولار، ويؤكد أن الحرب لن تنتهي بانتصار روسيا.

منذ سنوات، سلم الأوروبيون بأن أمنهم لم يعد في خطر مباشر وأن الحلف الأطلسي انتفت مسوغاته بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، وأن قطار الاتحاد الأوروبي للاندماج السياسي والاقتصادي يسير بقوة دفعه الذاتية. لكن الاجتياح الروسي لأوكرانيا حجب فجأة هذا السراب، كاشفاً أن الاستقلال الذاتي الأوروبي ما زال قائماً على بنية أمنية يشكل الحلف الأطلسي ركيزتها الأساسية.

وكانت جميع الدراسات التي وضعها الاتحاد الأوروبي مؤخراً لتطوير سياسة دفاعية مشتركة تنطلق من فرضية استقرار إطار أمني لم تعد تشكل فيه روسيا أي تهديد، فيما كان انحسار وجود القوات الأميركية في أوروبا، التي تراجع عددها من 400 ألف إبان الحرب الباردة إلى 60 ألفاً العام الماضي، يحفز على خطوة تاريخية نحو الاستقلال الجيواستراتيجي للاتحاد.

لكن الاجتياح الروسي لأوكرانيا، وهو أوسع هجوم تشنه دولة ضد أخرى على الأراضي الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية، أدى إلى تمتين حبل الصرة الذي يربط أوروبا بالحليف الأميركي، وأجبر الاتحاد على صرف النظر عن المساعي التي كان يبذلها للتخلي عن الاعتماد على الترسانة الأميركية الهائلة لتأمين حمايته عبر الحلف الأطلسي.

ومن العلامات البارزة لهذا التحول التاريخي في قمة مدريد، كان القبول السريع لطلب عضوية فنلندا، الدولة التي كانت لعقود عنوان الحياد بين الكتلتين الغربية والسوفياتية، وطلب عضوية السويد، بحيث أصبح جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي، باستثناء النمسا وآيرلندا وقبرص ومالطا، تحت عباءة الحلف الذي بات الذراع العسكرية للاتحاد.

وثمة من يعتقد أن هذا التطابق بين عضويتي المنظمتين من شأنه أن يسهل عملية اتخاذ القرارات الدفاعية في الاتحاد الأوروبي، خاصةً أن الهدف المعلن من الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي لم يكن يوماً هو الدفاع الجغرافي عن أراضي الاتحاد، المنوطة مهامه بالحلف الأطلسي، بقدر ما هو تشكيل قوات للفصل والتدخل السريع في مناطق النزاع المجاورة التي تؤثر على الأمن الأوروبي.

لكن مع ذلك، لن تكون العلاقات بين الحلف والاتحاد في منأى عن التجاذبات والتوتر، كما يستدل من إخفاق الطرفين في التوصل إلى اتفاق حول تحديث شروط التعاون بينهما بعد سبعة أشهر من المفاوضات التي بدأت أواخر الصيف الماضي بعد خروج القوات الغربية من أفغانستان أمام تقدم طالبان نحو كابل. ويذكر الحلف باستمرار أن دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء في المنظمة العسكرية لا تغطي سوى 20 في المائة من موازنة «الناتو» التي تتحمل الدول الأخرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وتركيا والنرويج 80 في المائة منها.

ويعترف خبراء الاتحاد بأن الدول الأعضاء كانت ستحتاج لفترة لا تقل عن عقدين لتطوير القدرات العسكرية اللازمة لكي تواجه منفردة النزاعات التي يمكن أن تنفجر في محيطها، كالاجتياح الروسي لأوكرانيا وتهديدات موسكو بتوسيع دائرة الحرب، وبالتالي لم تعد تملك ترف الوقت لحماية حدودها وأصبحت بأمس الحاجة إلى الدعم الذي لا يمكن أن يقدمه لها الآن سوى الحلف الأطلسي.

وعندما قال الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي أشرف على الثمانين من العمر وشهد على الحرب الباردة من بدايتها، إن بوتين كان يريد «فنلندة» أوروبا وانتهى به الأمر أن أصبحت معظم الدول الأوروبية أطلسية، كان أيضاً يوجه رسالة إلى الأوروبيين مفادها أن اللعب في دوري نوادي الدرجة الأولى يقتضي سداد الفواتير العسكرية والتنازل عن بعض السيادة للدفاع المشترك.

طويت صفحة في العلاقات الأطلسية التي جنت كل الأطراف ثمارها، خصوصاً الولايات المتحدة التي رسخت هيمنتها وما ينشأ عنها من منافع اقتصادية، فيما أتاحت للشركاء الأوروبيين تخصيص القسم الأكبر من مواردهم لأبواب أخرى غير العسكرية، ما حقق لهم مستويات غير مسبوقة من السلم والاستقرار والرفاه دفعت بالعديد من الدول إلى التنافس للانضمام إليه. لكن متانة الرابط الأطلسي ليست في منأى عن التقلبات، خاصةً إذا تبدلت وجهة الرياح على البيت الأبيض، أو إذا اضطرت واشنطن لتخصيص المزيد من الجهود للاهتمام بالتحديات المتنامية على الجبهة الآسيوية. لذلك لم يعد من خيار أمام الاتحاد الأوروبي سوى أن يتحول إلى فرع قوي ضمن البنية الأطلسية قادر على الدفاع عن نفسه ومستعد لدفع الثمن المتوجب على ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial