الأخبار العاجلة

رئيس تحرير جريدة الأمة العربية يتحدث عن الذاكرة البشرية

رئيس تحرير جريدة الأمة العربية يتحدث عن الذاكرة البشرية

بقلم \ الكاتب و المفكر خالد محمود عبد اللطيف
رئيس تحرير جريدة الأمة العربية ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
مما لا شك فيه أن الذاكرةُ البشرية تمثل أحد الموضوعات المهمة التي تثير دومًا الانتباه، وتَحظى بالكثير من الاهتمام، وقد ارتبطت البحوثُ التقليديَّة التي تدور عن الذاكرة في بادئ الأمر بالفلسفة، ورَغْمَ عدم خضوعها التام للقواعد والمبادئ العلمية وقتذاك، إلا أنَّها توسعت إلى الدرجة التي تطرقت فيها لتقنيات وآليات تَحسين الذاكرة بطرق اصطناعية – وهو مصطلح مقصود به أشياء من قبيل حفظ كلمات بعينها، أو حفظ قصيدة شعر شديدة القصر؛ لمساعدة المرء على تذكر شيء معين – ثم تبناها بعد ذلك علمُ النفس، وعرَّفها على أنها قدرة الكائن البشري على حفظ واستبقاء واستدعاء المعلومات والخبرات وقتَ الاحتياج إليها، وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أصبحتِ الذَّاكرة أحد مجالات علم النفس المعرفي cognitive psychology، وهو أحد فروع علم النفس الحديثة المعنية بمناقشة العمليات العقلية الداخلية، عمليات الإدراك، والتذكر، والتفكير، وحل المشكلات.

وخلال العُقُود الأخيرة أصبحت الذاكرةُ أحد الموضوعات الأساسية للعلم الحديث، الذي يطلق عليه “علم الأعصاب المعرفي”، وهو العلم الذي يجمع مجالاتٍ مشتركة بين “العلوم العصبية” neuroscience، وعلم النفس المعرفي، إلا أن موضوع الذاكرة اتخذ بُعدًا أكثر محورية بعد ذلك في أعقاب التطور التكنولوجي الهائل، الذي لحق بتقنيات الآلات الحاسبة الإلكترونية، وأظهر الطبيعة المعقدة لعمل الذاكرة، وأصبح العلماء جميعهم ينظرون لعمليات التسجيل والتخزين واسترجاع المعلومات في الذاكرة باعتبارها عمليات مركبة، تتآلف من عدة مراحل متباينة شديدة التنظيم والتعقيد بشكل يدعو للدهشة، بعد أن كانوا يَعُدُّونها أشبه بعملية انطباع بسيطة عما يحيط بالمرء، واستعادة تلقائية لما تم تسجيله بها.

ومن منظور معالجة المعلومات في الذاكرة توجد ثلاثُ مراحل رئيسية – تنطوي على مراحل فرعية أخرى – لهذه المعالجة:
• مرحلة التسجيل والترميز encoding: ويتمُّ فيها استقبال المعلومات وجمعها ومعالجتها، (ويقصد بالترميز العملية المعقدة التي تُختزل المعلومات؛ بحيث تظل مُحتفظة بسماتها الجوهرية فحسب).

• التخزين storage، وفيه تنشئ الذاكرة سجلاًّ دائمًا للمعلومات المُرَمَّزة.

• الاسترجاع retrieval، وهو استرداد أو استجماع المعلومات المختزنة بالذَّاكرة، كنَوعٍ من الاستجابة لفعل أو نشاط محدد.

ويرى العلماء والباحثون أنَّ هناك ثلاثة أنواع من الذاكرة البشرية، تُسلم كلٌّ منهما للأخرى: الذاكرة الحسية، التي لا تدوم خلالَها المدركات لأكثر من ثوانٍ مَعدودة، وهي أشبهُ بالانطباع القصير المدى عن المؤثرات الحسية، التي نراها عقب اختفاء تلك المؤثرات المادية نفسها، وتتسم هذه الذاكرة بقُدرة هائلة على تسجيل المعلومات غير المفسرة، والتي سرعان ما تتلاشى ما لم تتم، وتنتقل للنوع الثاني من الذاكرة “الذاكرة قصيرة المدى”.

والذاكرة قصيرة المدى (المعروفة عند بعض العلماء بذاكرة التشغيل) – تستطيعُ الاحتفاظَ بعدد محدود من المعلومات، واستردادها لمدة تتراوح ما بين بضع ثوان قصيرة إلى دقيقة كاملة، وتُعَدُّ سعتها مَحدودة للغاية بعكس الذَّاكرة الحسية، التي تعدُّ لا نهائية بالنظر لقدرتها على استقبال البيانات الجديدة، وعادةً تستطيع الذاكرةُ قصيرة المدى أن تختزن من أربع لخمس معلومات، غَيْرَ أنَّه من الممكن زيادة هذه السعة، من خلال عمليةٍ يطلق عليها التكتيل chunking – أي: التقسيم لكتل – فإن أراد الشخص مثلاً استدعاء رَقْم هاتف مُكوَّن من عشرة أرقام، فإنه يقسمه ثلاثَ مجموعات: ثلاثة أرقام تمثل كود المنطقة، ثم الأرقام الثلاثة الأولى، وأخيرًا الأرقام الأربعة الأخيرة، وبهذه الطريقة يكون الأمر أيسر بكثير من حفظ الأرقام العشرة المسلسلة تباعًا.

وبعكس الذَّاكرة قصيرة المدى تستطيع الذاكرة طويلة المدى تَخزين كميات كبيرة جِدًّا من المعلومات لأوقاتٍ طويلة جِدًّا من الزمن، تَمتد في كثير من الأحيان لحياة الإنسان بأكملها، غير أن وجوه الاختلاف بين الذاكرة قصيرة المدى، والذاكرة طويلة المدى – تتعدى التبايُن في حجم سعة التخزين، والكم الزمني للاحتفاظ بالمعلومات؛ إذ إنَّه يتعلق بجوهر المعالجة، فالذاكرة طويلة المدى تعالج المعلوماتِ بطريقة معقدة متشابكة ذات أبعاد متراكبة؛ بحيث يصحُّ أن نعتبر أن الذاكرة طويلة المدى – التي تحوي سجلات متكاملة عن كل ما نعيه ونعرفه عن العالم من حولنا، وتتضمن خبراتنا، ومشاعرنا، وأحداث حياتنا، وذكرياتنا – تعمل وَفْقَ آليات التفكير المعقدة، والمعلومات المختزنة بها مختزنة وفق ترتيب وتنظيم بعينه، بَعيدٍ كل البعد عن العشوائية والارتجال، ومما يزيد من تعقد الموضوع أنَّ هذه المعلومات أثناء تَخزينها تتعرض أحيانًا لإعادة صياغة، أو تشكيل، أو نسيان لبعض عناصرها – وذلك وفقًا للخبرات أو التجارب التي يَمر بها الفرد – وتصبح النتيجةُ هي عدم تطابق المدخلات مع المخرجات؛ لذلك تُعامل المعلومات المستخرجة من ذاكرة المدى الطويل وفقًا لمبدأ الاحتمالية أو التوقع فحسب.

طبقًا لما سبق ذكره نستطيع أن نعتبر أن كلمة “الذاكرة” تعني مجازًا الذاكرة طويلة المدى، ويُمكننا أن نتخيل الذاكرةَ شبكة متسعة شديدة التشابك، تَختزن المعلومات المتصلة بعضها ببعض على شكل حزم مُترابطة ومتصلة بطريقة مُعقدة غير متماثلة، وهذا التصوُّر يطلق عليه: “النموذج الشبكي للذاكرة طويلة المدى”، والذي يذكرنا على الفور بنظرية الفوضى أو الشواش chaos theory، وهي إحدى أحدث النظريات الفيزيائية الرياضية، التي تسعى لاستشفاف النظام الخفي المضمر خلف العشوائية الظاهرة للعيان.

ويظهر التشريح العصبي للمخ أنَّ هناك مناطقَ بعينها هي المسؤولة عن عمل الذاكرة، على سبيل المثال تُعَدُّ المنطقة الموجودة أسفل الفص الدماغي، والمعروفة “بالحصين”، أو قُرَين آمون hippocampus – هي المسؤولة عن اكتساب المعلومات، ومُعالجتها، وحفظها بالذاكرة طويلة المدى، أمَّا المعلومات اللغوية فإن المناطق المسؤولة عن تَخزينها مُوزَّعة على نوى وقشر دماغية عديدة، والمعلومات الخاصة بالنطق ومَخارج الحروف تعالج وتخزن بالمنطقة المعروفة بباحة بروكا Broca.

أمَّا فهم المصطلحات، فمرتبط بأنشطة باحة فيرنيكي Wernike، وكل ما يتعلق بشكل وحجم واتجاه وتموقع الأشياء يختزن في الباحات القشرية المعالجة للمعلومات البصرية والحسية البصرية، ونتيجة لذلك يُمثِّل أي تلف أو إصابة لمنطقة الحصين – الممر الإجباري للمعلومات التي يتم تذكرها – عدم مرور أو إدراج أو تخزين المعلومات الجديدة، ولذلك يعجز الإنسان عن تذكُّر المعلومات أو توظيفها في المستقبل بشكل ملائم، وتظهر لذلك الاضطرابات في عملية التذكر، التي تَحول دون استرجاع المعلومات المختزنة حتى قبل حدوث الإصابة أو التلف، وقد ينسى المرء اسمَ الشيء، ويتذكر شكله ووظيفته، ويلجأ للتعبير عن ذلك بوصفه بحركات من يديه، وتعبيرات وجهه، دون التلفظ باسمه.

ما تم إنجازه ومعرفته عن عمل الذاكرة عند البشر يعد كثيرًا، إلاَّ أن الغامض والمجهول عن طبيعة الذاكرة هو الأكثر، وخصوصًا الميدان الذي يناقش دور الجينات في عملية النجاح في الاحتفاظ بالمعلومات وتذكرها؛ حيث لا تزال الأبحاث في هذا الحقل في دور المهد، وحديثًا – نُشرت نتائج الأبحاث عام 2006م – نجح باحثون في اكتشاف جين له علاقة بالذاكرة، وهو جين كيبرا KIBRA، الذي كانت وظيفته مَجهولة من قبل، واتَّضح أن وظيفةَ هذا الجين هي تنظيم عمل الذاكرة، وبهذا بدأ العلماء في استيضاح الأسس الجزئيَّة لعمل الذاكرة، وهو ما يعود بالنفع أولاً على المرضى ممن يعانون من أمراض النِّسيان كمرضى الزهايمر، وضحايا الانهيار العصبي، ثم يعود بالنفع على مجالات علمية مُحددة، كمجال علم النفس المعرفي المعني بفهم الطبيعة الإدراكية لدى البشر عمومًا، ويُجيب عن أسئلة عديدة لَم تتم الإجابة عنها بعد، كسبب تذكُّر الإنسان للوقائع المهمة في حياته أكثر من تذكره للأحداث العادية المألوفة لديه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial