الغربية – خاص بغداد – 9 / أكتوبر / 2026
في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق، تبرز الحاجة إلى خطاب اقتصادي مسؤول لا يكتفي بتشخيص المشكلات، وإنما ينتقل إلى طرح الحلول والبدائل القابلة للتنفيذ. ومن هذا المنطلق، يأتي البيان الصادر عن السيد حيدر موحان الفياض، رئيس كتلة دولة القانون ورئيس لجنة النزاهة في مجلس محافظة بغداد، بشأن تعديل سعر الصرف، بوصفه طرحاً يستحق التوقف عنده ومناقشته بجدية.
تكمن أهمية البيان في أنه لم يتعامل مع قضية سعر الصرف باعتبارها رقماً مالياً مجرداً، وإنما ربطها بصورة مباشرة بمستوى معيشة المواطن، والقوة الشرائية للدخل، والأسعار، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وهي مقاربة تضع المواطن في مركز النقاش الاقتصادي، خصوصاً في ظل اعتماد السوق العراقية بدرجة كبيرة على السلع المستوردة.
من الاعتراض إلى تقديم البديل
ما يميز البيان أنه لم يتوقف عند انتقاد قرار تعديل سعر الصرف، بل حاول تقديم مجموعة من البدائل التي يرى أنها يمكن أن تسهم في معالجة الاختلالات المالية من دون تحميل المواطن وحده كلفة الإصلاح الاقتصادي.
وقد طرح البيان أربعة مسارات رئيسية، تبدأ بإصلاح نافذة بيع العملة، مروراً بتعظيم الإيرادات غير النفطية، وترشيد فاتورة الاستيراد، وصولاً إلى إدارة السيولة والإنفاق العام.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الطرح؛ فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا ينبغي أن يبحث دائماً عن الحل الأسهل من الناحية الحسابية، بل عن الحل الأكثر استدامة وعدالة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.
إصلاح منظومة العملة ومكافحة الهدر
الحديث عن إصلاح نافذة بيع العملة يمثل محوراً مهماً في النقاش الاقتصادي العراقي، لأن كفاءة إدارة النقد الأجنبي ترتبط مباشرة بحماية الاحتياطي وتعزيز الثقة بالنظام المالي.
ويقترح البيان الانتقال بصورة أوسع إلى أدوات مصرفية أكثر ضبطاً، مثل الاعتمادات المستندية ونظام المراسلة المصرفية، بما يعزز الرقابة على حركة الأموال والاستيرادات ويحد من فرص التلاعب.
وبغض النظر عن اختلاف التقديرات حول حجم الوفر المتوقع، فإن المبدأ الذي يطرحه البيان يستحق الدعم: معالجة الخلل من مصدره بدلاً من نقل كلفته إلى المواطن.
الإيرادات غير النفطية.. ثروة معطلة
من أبرز الملفات التي تستحق الاهتمام أيضاً قضية الإيرادات غير النفطية.
فالعراق يمتلك إمكانات واسعة لتعظيم إيرادات الدولة من الجمارك والضرائب والمنافذ الحدودية، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب الانتقال من الأساليب التقليدية إلى الإدارة الرقمية والربط الإلكتروني والتدقيق المؤسسي.
ومن هنا تأتي أهمية ما طرحه البيان بشأن أتمتة الإجراءات الجمركية، وتوسيع نطاق الفوترة الإلكترونية، وتحسين آليات التحصيل الضريبي.
إن زيادة الإيرادات لا تعني بالضرورة زيادة الأعباء على المواطن؛ فالإصلاح الحقيقي يمكن أن يبدأ من تضييق منافذ التهرب والفساد والهدر المالي قبل التفكير في فرض أعباء إضافية على أصحاب الدخول المحدودة.
دعم المنتج الوطني وتقليل فاتورة الاستيراد
أما المسار الثالث، والمتمثل في ترشيد فاتورة الاستيراد، فيرتبط بملف اقتصادي أكثر عمقاً، وهو ضعف الإنتاج المحلي مقابل الاعتماد الكبير على الاستيراد.
فالعراق بحاجة إلى سياسة اقتصادية تجعل من حماية المنتج الوطني جزءاً من استراتيجية متكاملة، لا مجرد إجراءات مؤقتة. حماية المنتج المحلي يجب أن تترافق مع دعم الفلاح والمصنع، وتوفير التمويل المناسب، وتحسين البنية التحتية، ورفع القدرة التنافسية للمنتج العراقي.
والهدف النهائي ليس منع الاستيراد بصورة عشوائية، وإنما الوصول إلى معادلة اقتصادية متوازنة: استيراد ما يحتاجه العراق، وإنتاج ما يستطيع العراق إنتاجه بكفاءة.
المواطن هو محور الإصلاح
القضية الأساسية التي يضعها البيان أمام صانع القرار هي أن أي إصلاح اقتصادي يجب أن يُقاس بمدى انعكاسه على حياة المواطن.
فالموظف والمتقاعد وأصحاب الدخول الثابتة لا يستطيعون بسهولة تعويض ارتفاع الأسعار الناتج عن تراجع القوة الشرائية. لذلك فإن القرارات الاقتصادية الكبرى تحتاج إلى دراسة آثارها المباشرة وغير المباشرة، وإلى حزمة متكاملة من الإجراءات التي تحمي الشرائح الأكثر تأثراً.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى البحث عن بدائل مالية واقتصادية قبل تحميل المواطن كلفة الاختلالات تمثل رسالة مهمة في توقيتها ومضمونها.
الإصلاح لا يعني التقشف على حساب الناس
العراق لا يحتاج فقط إلى زيادة الإيرادات، بل يحتاج إلى إصلاح طريقة تحصيل الإيرادات وطريقة إنفاقها.
فمكافحة الازدواج الوظيفي والرواتب غير المستحقة، وتحسين إدارة المال العام، وتشجيع الادخار والاستثمار الداخلي، وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات المنتجة، كلها أدوات يمكن أن تشكل جزءاً من استراتيجية اقتصادية أكثر استدامة.
وهنا يمكن قراءة البيان باعتباره دعوة إلى الانتقال من الحلول المالية قصيرة الأمد إلى الإصلاحات الهيكلية التي تعالج جذور المشكلة.
كلمة أخيرة
إن قيمة البيان لا تكمن فقط في الأرقام التي تضمنها، وإنما في أنه فتح باباً ضرورياً للنقاش حول سؤال جوهري:
هل نعالج العجز المالي من خلال تحميل المواطن كلفته، أم نبحث أولاً عن مكامن الهدر والتهرب والفساد وضعف الإيرادات والإنتاج المحلي؟
قد تختلف الآراء حول بعض التقديرات أو الأرقام الواردة في البيان، وهذا أمر طبيعي في القضايا الاقتصادية التي تحتاج إلى دراسات وبيانات رسمية دقيقة، إلا أن طرح البدائل وفتح النقاش العام حولها يمثلان خطوة إيجابية تستحق التقدير.
إن العراق بحاجة اليوم إلى قرارات اقتصادية شجاعة، ولكنها في الوقت نفسه مدروسة وعادلة ومستدامة؛ قرارات تحمي المال العام وتحفز الإنتاج وتكافح الهدر، من دون أن تجعل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح.
ومن هذه الزاوية، فإن البيان يمثل صوتاً يستحق أن يُسمع، لأنه لا يكتفي بالقول: لا ترفعوا كلفة المعيشة على المواطن، بل يطرح سؤالاً أكثر أهمية:
ما هي البدائل التي يمكن أن توفر للدولة مواردها وتحمي في الوقت نفسه قوت المواطن؟
وهذا هو جوهر النقاش الاقتصادي الذي يحتاجه العراق اليوم.
الوكالة الغربية للأنباء
